مشروع تشابي ألونسو
ريال مدريد مع تشابي ألونسو يمرّ بمرحلة بناء للفريق، ومن المنطقي أن الأمر سيحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ كبيرين، بل إن الفريق يحتاج إلى أكثر من موسم من أجل تجديد نفسه وبناء مشروعٍ حقيقي تحت قيادة المدرب، وهو ما يتطلّب الدعم والصبر والوقت الكافي.
ريال مدريد أثناء الحيازة
بدأ تشابي ألونسو الموسم مع ريال مدريد معتمدًا على مبادئ اللعب التمركزي، وهي مبادئ تمتاز بعدد من الإيجابيات ولها بالطبع بعض السلبيات. من خلال هذه المبادئ، يتمكن الفريق من الاستحواذ على الكرة بشكلٍ أكبر وملء الممرات الخمسة للملعب، إضافةً إلى شغل مساحات محددة بهدف السيطرة على الخصم. كما أن لهذه المبادئ مزايا دفاعية، إذ إن شكل الفريق أثناء الاستحواذ يساعد على استرجاع الكرة بسرعة بفضل الكثافة العددية، فضلًا عن وجود العدد الكافي من اللاعبين لتطبيق الدفاع الوقائي.


لكنّ مشاكل الفريق تبدو واضحة للغاية أثناء تطبيق مبادئ اللعب في مرحلة الاستحواذ، إذ يفتقد ريال مدريد إلى نوعية اللاعبين المناسبين لتنفيذ هذه المبادئ. فهناك قصورٌ في خط الوسط وغيابٌ للاعب الدائرة القادر على التحكم في الإيقاع، وإدارة الفريق، وصناعة الحلول الإبداعية. لذلك لجأ تشابي ألونسو إلى بناء اللعب من مناطق متقدمة عن طريق خط الدفاع، مستفيدًا من هاوسن وجودة تمريراته وتوزيعه للكرة، إلى جانب كاريراس وأرنولد قبل الإصابة. غير أن المشكلة تكمن في أنّ ريال مدريد، مع صعود خط الدفاع لبناء اللعب، تصبح المساحات ضيّقة أكثر أمام بقية الخطوط. لاعبو الوسط في ريال مدريد غير قادرين على الأداء في مثل هذه المساحات الضيّقة، ولا على الاستلام بين الخطوط أو القيام بعملية الدوران وتمرير الكرات التي تكسر ضغط الخصم. وقد ظهرت أسوأ لحظات ريال مدريد منذ بداية الموسم عند وجود تشواميني وفالفيردي كثنائي ارتكاز؛ إذ يعاني الفريق كثيرًا حين يكون تشواميني هو لاعب الدائرة، لأنه يواجه صعوبات واضحة أثناء الاستحواذ، فهو غير قادر على توزيع اللعب أو الخروج من الضغط، ويلجأ دائمًا إلى التمريرات الآمنة، مما يجعل إيقاع الفريق بطيئًا. وبذلك يصبح ريال مدريد أثناء الاستحواذ فريقًا رتيبًا يفتقر إلى عنصر المجازفة والحلول المتنوعة.

هذه خرائط تمريرات تشواميني أمام أتلتيكو مدريد وليفربول، ومن خلالها تتّضح معاناة الفريق المستمرة. يعاني تشواميني من مشكلة في توزيع اللعب، والخروج من الضغط، ونقل الفريق من حالة إلى أخرى، ويلجأ غالبًا إلى التمريرات الآمنة غير المفيدة، مما يُبطئ من نسق اللعب ويُعطّل أداء الفريق. كما أنه لا يجيد اللعب وظهره للملعب، ولذلك يعاني الفريق بوضوح أثناء مرحلة الاستحواذ بسبب نوعية لاعبي الوسط في ريال مدريد.


كان حلّ تشابي ألونسو هو اللجوء إلى أردا غولر، ولكن لماذا يُعدّ هذا الخيار بمثابة مشكلة؟ لأن المساحات المثلى لأردا غولر هي تلك التي يتواجد فيها بين الخطوط، ومع عودته إلى المناطق المتأخرة لتغطية عيوب خط الوسط في ريال مدريد، يفقده الفريق في تلك المناطق المهمة بين الخطوط. ريال مدريد في الأساس في حاجة ماسّة إلى لاعبين يجيدون اللعب بين الخطوط. وأردا غولر ما زال في طور التعلّم ليصبح لاعب وسط متكامل، ومع عملية التعلّم لا بد أن تكون هناك فرصة وهامش للخطأ، إذ لا تعلّم دون أخطاء. كما أن الأمر يحتاج إلى وقت، فهو لن يتحوّل إلى لاعب وسط بين ليلة وضحاها. ريال مدريد أثناء مرحلة الاستحواذ يحتاج إلى لاعب دائرة حقيقي، ومع تقدّم أردا إلى مناطقه المفضّلة سيستفيد الفريق كثيرًا، إذ سيصبح فريقًا يمتلك حلولًا متنوعة، قادرًا على إدارة الإيقاع، وتقليل فقدان الكرة، لأن خط الوسط الحالي يتسبب في خسارة الفريق للكرة كثيرًا، مما يضطره إلى الركض لمسافات أطول واللعب تحت الكرة لفترات أكبر.


ريال مدريد من الناحية الهجومية لا يمتلك العديد من الحلول، فالفريق يبدو مشلولًا هجوميًا، إذ يعتمد في هجماته بشكلٍ أكبر على جهة فينيسيوس وكاريراس. ريال مدريد لا يجيد اللعب من عمق الملعب، كما لا يوجد من يوسّع عرض الملعب في الجهة اليمنى، لأن فرانكو ماستانتونو ليس لاعب جناح خط. وتكمن جودة كاريراس أساسًا في دقة تمريراته المميزة أثناء الاستحواذ في المناطق الخلفية من الملعب. ويُستخدم كاريراس هجوميًا كحل تكتيكي من خلال التوغّل إلى الداخل (الاندر لاب) لتهيئة الجناح لمواجهة فردية، أو عبر التقدّم الخارجي وفتح عرض الملعب كخيارٍ إضافي للجناح. إلا أن مشكلة كاريراس تكمن في أنه غير مناسب للعب كظهير خط في الثلث الأخير من الملعب، وبالتالي لم يقدم الإضافة المرجوّة. ريال مدريد بحاجة إلى جناح أيمن قادر على توسيع عرض الملعب ليكون حلًا إضافيًا للفريق ويخفّف الضغط عن الجهة اليسرى. كما يفتقد الفريق إلى مهاجم محطة يستطيع استقبال الكرات، والفوز بالمواجهات الثنائية، وربط الخطوط ليشكّل حلًا في عمق الملعب. كذلك يحتاج ريال مدريد إلى ظهير خط صريح يُمثّل حلًا هجوميًا فعّالًا.


من حيث البناء من المناطق المتأخرة، لا يمكن إصدار حكمٍ مطلق، إذ لم يُختبر الفريق كثيرًا في هذا الجانب. إلا أنّه في المباريات التي أُجبر فيها على البناء من الخلف، أظهر معاناة شديدة، مع وجود تباعد واضح بين اللاعبين واتساع المسافات فيما بينهم. يُعد كورتوا مشكلة في توزيع اللعب بشكلٍ عام، إذ يتخذ في الغالب قرارات خاطئة، كما حدث أمام ضغط أتلتيكو مدريد. وفي المباراة نفسها، واجه هاوسن صعوبة في الخروج بالكرة بسبب غياب خيارات التمرير أمامه. أمام ليفربول، عانى الفريق كثيرًا أيضًا، ولجأ تشابي ألونسو إلى كامافينغا كحلٍّ للخروج من الضغط، غير أن كامافينغا لا يُعدّ مناسبًا لمثل هذه المواقف على الأطراف. كذلك، أظهر الفريق معاناة واضحة أمام رايو فاليكانو في مواجهة ضغط إنييغو بيريز وفريقه.


اللجوء إلى كامافينغا من على الطرف كحل للخروج من الضغط.


الحالة الدفاعية لريال مدريد
عانى ريال مدريد في الموسم الماضي من مشاكل دفاعية واضحة، إذ كان من السهل كسر ضغط الفريق واللعب بين خطوطه بسهولة أكبر. وقد واجه الفريق معاناة بسبب ضعف المساندة الدفاعية من قِبَل مبابي وفينيسيوس، مما اضطر بقية اللاعبين إلى الترحيل لتغطية المساحات خلفهما. كما كان ريال مدريد يدافع بعدد أقل من المطلوب تحت الكرة، الأمر الذي كشف عن مشكلات واضحة في المنظومة الدفاعية للفريق. أما هذا الموسم، فقد أولى تشابي ألونسو اهتماماً كبيراً بالجانب الدفاعي بجميع أشكاله، إذ أصبح الفريق يضغط بقوة عالياً، رغم استمرار وجود بعض المشكلات. ومع ذلك، فإن الفريق بات يعتمد على الضغط العالي سعياً لاستخلاص الكرة في نصف ملعب الخصم من أجل صناعة الفرص وخلق الخطورة الهجومية.


في هذه الصورة تظهر بعض إحصاءات ريال مدريد المتعلقة بالتصرفات الدفاعية. ففي إحصائية *PPDA* (وهي عدد التمريرات التي يُسمح للخصم بتنفيذها في ثلث ملعبه الأول قبل أن يتدخل الفريق بعمل تصرف دفاعي)، نجد أن ريال مدريد يسمح للخصم بمتوسط *9.17 تمريرة* في المباراة الواحدة. وفي إحصائية *ODC* (وهي عدد التمريرات التي يُسمح للخصم بتنفيذها في الثلث الأول أو الأخير من معدل استحواذه)، يسمح ريال مدريد للخصم بمتوسط *57 تمريرة* في الثلث الأول أو الأخير خلال المباراة الواحدة، وهو ما يُعدّ تحسناً واضحاً في أداء الفريق الدفاعي بشكل عام.

الضغط العكسي
تحسّن الضغط العكسي في ريال مدريد بشكل واضح هذا الموسم، وذلك بفضل الكثافة العددية الكبيرة في الثلث الأخير من الملعب، مما أتاح وجود دفاع وقائي فعّال في حالة فقدان الكرة للحدّ من التحولات الهجومية للخصم. كما أن هناك تعليمات للاعبين بالضغط القوي والمباشر فور خسارة الكرة ساهمت في تعزيز هذا الأسلوب. وتكمن ميزة الضغط العكسي في كونه بمثابة صانع ألعاب إضافي، إذ تمكن ريال مدريد من خلق فرص تهديفية عديدة من خلال استرجاع الكرة في ثلث ملعب الخصم.


أهمية فرانكو ماستانتونو بدون الكرة
في كرة القدم الحديثة، أصبح للضغط الحاد أهمية كبيرة. فقد افتقد ريال مدريد للحدة في الضغط الموسم الماضي من الخط الأول. يعطي تشابي أهمية كبيرة لفرانكو لما يتمتع به من قوة في الضغط والمجهود الكبير الذي يقدمه للفريق، إذ يضغط بشكل قوي وحاد ولا يكلّ ولا يملّ من أجل استعادة الكرة. كما أنه لا يكتفي بذلك، بل يعود لمساندة الظهير لتقديم الدعم الدفاعي. لذلك، أصبح وجود لاعب مثل فرانكو أولوية لأي فريق، كما هو الحال مع عثمان ديمبلي مع أنريكي، وغيرها من الأمثلة العديدة.


الدفاع رجلٌ لرجل
هذا الموسم، لجأ تشابي ألونسو إلى نظام الدفاع رجلٌ لرجل، من خلال توفير مراقبة لصيقة لمفاتيح الخصم. يسعى تشابي من خلال هذا الأسلوب إلى عدم منح حامل الكرة من الخصم مساحة أو وقت للتصرف بحرية. ومن أهدافه أيضاً توجيه الخصم للخروج نحو الأطراف، لاستغلال خط التماس كمدافع إضافي، وبدء عملية الضغط واسترجاع الكرة من هناك، أو إجبار الخصم على لعب الكرات الطولية. يتطلب هذا النظام وقتاً لتطبيقه بشكل صحيح، لأنه أسلوب محفوف بالمخاطر وصعب التنفيذ، ويحتاج اللاعبين إلى فهم المرجعيات الدفاعية واتخاذ قرارات سريعة سواء بالدفاع عن المنطقة أو التوجه لمراقبة الخصم مباشرة. وقد طبق ريال مدريد هذا النظام أحياناً بشكل جيد، وأحياناً فشل الفريق في تنفيذه، سواء بسبب قرارات الأفراد أو حلول مدربي الفرق المنافسة.


في مباراة أتلتيكو مدريد، واجه ريال مدريد مشكلة في عملية الترحيل، حيث اعتمد سيميوني على نقل الكرة من جهة إلى أخرى، ومع تأخر لاعبي ريال مدريد في عملية الترحيل وسوء تنفيذ ضغط الأفراد، تمكن أتلتيكو مدريد من الخروج من الضغط عدة مرات.


وفي مباراة مارسيليا، سحب دي زيربي في مناسبات عديدة قلوب دفاع ريال مدريد إلى الأمام، إلى جانب تشواميني، وكان الهدف من ذلك إرسال الكرات الطولية للاعبي الهجوم والدخول في مواجهات مباشرة مع أظهرة ريال مدريد، وقد نجح مارسيليا بالفعل في تشكيل خطورة نتيجة صعود لاعبي ريال مدريد لممارسة المراقبة اللصيقة.


أما في مباراة مايوركا، فقد تمكن ريال مايوركا من الخروج من ضغط ريال مدريد بنظام رجلٍ لرجل مرات عديدة بسبب سوء قرارات الأفراد، إذ أن أي قرار خاطئ يؤثر على الفريق بأكمله. فعندما يذهب فينيسيوس للضغط بشكل خاطئ ومتسرع ويترك اللاعب الذي يجب مراقبته، يصبح هذا الأخير خيار تمرير متاحاً ويتمتع بالمساحة، وبالفعل استطاع ريال مايوركا استغلال هذا الخطأ للخروج من الضغط، وقد تكرر هذا الخطأ أكثر من مرة خلال المباراة.


بشكل عام، هل تشابي مذنب؟ الإجابة قطعًا هي لا. يحتاج تشابي ألونسو إلى وقت وصبر من أجل ترسيخ المبادئ، إذ إنها هوية جديدة على النادي بشكل عام، ويحتاج إلى جودة مناسبة لتنفيذها، حيث إن الفريق لا يمتلك الجودة اللازمة أو المناسبة لتطبيق هذه المبادئ. الفريق غير متوازن من حيث الأسماء؛ إذ يحتاج ريال مدريد إلى تركيبة وسط مناسبة لتطبيق ما يريده تشابي. يفتقد الفريق بشدة لاعب الدائرة، ويحتاج أيضًا إلى جناح في الجهة اليمنى لفتح عرض الملعب، وإلى مهاجم قادر على استقبال الكرة والفوز بالمواجهات وربط اللعب، وأن يكون حلًّا في العمق بشكل عام، مع القدرة على خلق كثافة في منطقة الجزاء. يعتمد الفريق كثيرًا على جهة فينيسيوس، حيث أصبح الأمر متوقعًا. ومع غياب الحلول الإبداعية من خط الوسط، أصبح الفريق رتيبًا وغير قادر على إحداث الفارق في كثير من اللحظات. يمكن لوم تشابي على العديد من القرارات والتغييرات أثناء سير المباراة، لكن لا يمكن لومه على جودة الأفراد، فالجودة المتاحة لديه لا تستطيع تقديم الكثير، خاصة في المباريات الكبيرة. يحتاج ريال مدريد إلى التناسب بين لاعبيه وليس إلى الأسماء الكبيرة. الأسماء وحدها لا تلعب، وحجمها لا يحدث فرقًا؛ كرة القدم تحتاج إلى التناسب والتفاعل لصنع فريق قادر على ممارسة اللعبة بشكل صحيح.





